Logo

نيو بيفرلي سينما: كازافيتيس في دار تارانتينو!

01/04/19

Warning: Undefined variable $sort in /home/wael/public_html/wp-content/themes/twentynineteen/template-parts/content/content-single.php on line 95
/100

لم تكن "نيو بيفرلي"، منذ تأسيسها وحتى وفاة مؤسسها في 2007، دارا لعرض الأفلام فقط. كانت أكبر من ذلك .. وفرضت حضورها "كجامعة" مصغرة للسينمائيين والمهتمين ومركزا ثقافيا للمولعين بالأفلام الكلاسيكية والأجنبية والمستقلة والغارقة في التجريب والفن.

وكأن كل مفاجأة سعيدة رهينة لانتظار ممل.

سارت الدقائق بطيئة .. بطيئة، في ترقب شباك تذاكر “نيو بيفرلي سينما”. يومئذ، لم أعرف شيئا عن الفيلم الذي اعتلى لوحة البيلبورد في رأس المبنى القديم. انتظمت بكل طواعية مع الآخرين ننتظر الضوء الذي سينطلق بعد ساعتين.

كانت الدار السينمائية، التي أسسها شيرمان تورغان في 1978، مناقضة تماما لكل ما قرأت وألفت من فروض وتقاليد التسويق في الدولة/المعبد. لا أضواء براقة أو Branding فاقع أو ورق مطبوع أو مصقول .. لا strategy، سواء فوق أو تحت خطوط التسويق الحاكمة!

لحظة تمرد كبرى توسدت جادة بيفرلي في لوس أنجلوس، على مرأى ومسمع من هوليود؛ الملعونة دائما/المعشوقة أبدا.

وإن غابت العقيدة التسويقية عن الدار، فإن عقيدتها عندما يأتي الحديث عن وسيلة العرض “يمينية” بلا مواربة: ALWAYS ON FILM

لم تكن “نيو بيفرلي”، منذ تأسيسها وحتى وفاة مؤسسها في 2007، دارا لعرض الأفلام فقط. كانت أكبر من ذلك .. وفرضت حضورها “كجامعة” مصغرة للسينمائيين والمهتمين ومركزا ثقافيا للمولعين بالأفلام الكلاسيكية والأجنبية والمستقلة والغارقة في التجريب والفن، عبر نقاشات تبدأ من لحظة الاصطفاف في طابور التذاكر وتستمر إلى ما بعد مغادرة العرض!

هذه الروح التي نشأت عليها الدار وجدت ضالتها في كوينتن تارانتينو، السينمائي العصامي وزعيم المنافحين عن بكرات 35 و16 ملم وطقس الذهاب إلى الدور السينمائية، خصوصا بعد رحيل تورغان ورغبة مالك العقار في تطوير المبنى. هنا تدخل تارانتينو – بحدة أقل مما تفعل شخوص أفلامه التسعة – وابتاع العقار ليصبح بالضرورة متحكما في مصير المبنى والدار.

كان أول ما فعله بعد انتقال الملكية هو الإبقاء على عائلة تورغان في إدارة “نيو بيفرلي” ثم مشاركا في برمجة روزنامة عروضها. وأيضا، وربما الأهم، مساهما بمكتبته الفلمية العريضة، التي كونها بعناية طيلة 20 عاما، لتكون تحت تصرف الدار، إضافة إلى النسخ الأخرى لدى الاستديوهات والمقتنين، لتظل شمعة السيلولويد مشتعلة! ضاربا بعرض الحائط “سوق” آدم سميث وشروط جون ستيوارت مل، بقوله: “ستبقى نيو بيفرلي هنا طيلة حياتي وامتلاكي للمال، تعرض فيلمان 35 ملم متتابعان كل ليلة”.

منتظرا في الطابور، خلفي سرب من البشر وأمامي سرب يشبهه، أعلل النفس بتارنتينو الذي سيظهر في أي لحظة. بينما الهمس يدب من حولي أن جينا رولاندز بطلة فيلمي السهرة المنتظرة: Opening Night و A Women Under the Influence ستتواجد في استراحة المنتصف بين العرضين، لتتحدث عن تجربتها مع زوجها الراحل جون كازافيتس (1989-1929)، المخرج والكاتب والممثل والمنتج الأمريكي المستقل، وصاحب الآراء المتمردة واليائسة أحيانا من سطوة هوليود وشروطها الإنتاجية القهرية.

نفدت التذاكر وامتلئت القاعة الوحيدة التي تضم 228 مقعدا بكاملها، مخلفة العشرات الذين سينضمون في يوم جديد إلى طابور جديد .. دون جينا رولاندز على الأرجح!

في الداخل، انهمر شلال الضوء من أعلى القاعة نحو الشاشة المسطحة بإعلانات أعمال كازافيتس الأخرى Shadows و Faces و The Killing of a Chinese Bookie.

عاد الزمن إلى الوراء وامتد الظلام في القاعة قبل لحظات من بداية الفيلم. والبداية، كأي بداية، وعد مؤجل بالجمال. يقصر أحيانا فيخبو أو يمتد في النفس فيزهر. مثل دهشة الطفل سيلفاتوري المتجددة في كل الدور، لكن هذه المرة في “نيو بيفرلي” لا في “سينما باراديسو”!

صدقت الإشاعة عندما اتخذت رولاندز طريقها نحو مسرح القاعة الخشبي بعد انتهاء العرض الأول لـ Opening Night الذي كانت فيه أيضا على خشبة مشابهة تلعب دور البطولة كممثلة مسرحية تصارع شبح أفول نجمها وغياب بريقها مع تقدمها في السن. اعتلت رولاندز مسرح “نيو بيفرلي” فضجت القاعة بالتصفيق قبل أن تتحدث عن أعمالها وعن كازافيتس، الغائب الحاضر، الذي شاركته معظم أفلامه وأحلامه، تطوقهما هذه المرة عبارات الثناء النقدي، في حين لم تحظ أعمال زوجها طيلة حياته تقريبا، بإشادات النقاد إلا في حالات محدودة، وكان الرأي السائد حينئذ بأنها “أعمال هواة”.

ولم يتغير الرأي النقدي تجاه كازافيتس إلا مطلع الثمانينات مع رِاي كارني، الناقد والأستاذ في جامعة بوسطن، الذي بشّر بقيمة كازافيتس وأهمية تجربته السينمائية عبر مؤلفات وكتابات بحسب روجر ايبرت، الناقد السينمائي، الذي يضيف: “فجأة، وجدت السينما المستقلة أباً في كازافيتس”.

فكان بعد ذلك، أبا وسيدا وزعيم حزب “المستقلين السينمائيين الأحرار”، أو بتعبير إبراهيم العريس، الناقد والكاتب، الذي يقول: “من دون صخب كثير، وبقدر كبير من الحياء وقدر أكبر من العواطف، كان جون كازافيتس يقدم أفلامه، من دون أن يدرك، وهو يصنعها منكباً عليها يولّفها في بيته ويصورها مع زوجته جينا رولاندز ومع رفاقه مثل بيتر فالك وبن غازارا، انها ستصبح ذات يوم من الكلاسيكيات، ويصبح لها تاريخ ومؤرخون ومكانة في مسار الفن السينمائي تضاهي، في بعض اللحظات، مكانة سينما أورسون ويلز أو اندريه تاركوفيسكي. فالحال أن جون كازافيتس، كفنان حقيقي، كان أكثر تواضعاً من أن يتنبأ بكل هذا المجد يغمره، في بعض سنواته الأخيرة ثم بعد رحيله.”

وبصرف النظر عن الابتذال الذي لحق عبارة “فنان حقيقي” لكثرة استخدامها في السياق النقدي المعاصر، إلا أنها مع كازافيتس تستعيد مصداقيتها من جديد. فالرجل كان “حقيقيا” دون ادعاء، ملتصقا بفنه دون استعراض، هاجسه حماية تعبيره الابداعي الشخصي، والدفاع عن حق الفنان في ذلك، تجسيدا كما يردد في لقاءته، لشرط التواصل الإنساني، وفتح الآفاق أمام حوار غير مزيف. عبارات “مبتذلة” أخرى ..

لكن كازافيتس جعلها مقدمات لأعماله!

ثائرا في وجه التكنيك ونقاوة الصوت والصورة والبناء الدرامي! في وجه “كرو العمل” التقليدي وضد “المحترفين” .. في وجه هوليود أولا وأخيرا كما صرخ في 1959: “هوليود فاشلة!”

كان كازافيتس عاطفة تمشي على قدمين.

والعاطفة الكاسحة لا تخلو من الشطط أو الحدة! لا يصبر على من يخالفه أو مع القواعد التي أثبتت “غباءها”، سواء جاءت من الاستديو أو النقابة أو أي أحد، كما تؤكد إلينا كيغين، الممثلة والكاتبة، التي تضيف: “كان جون أنانيا! يريد وقتك واهتمامك كاملا غير منقوص. أن تتنفس معه الفيلم وتفاصيله ولا شيء سواه لشهور أو أعوام حتى يرى النور، كما يفعل هو تماما!”

عندما حقق في 1958 فيلمه الأول “ظلال” أو Shadows، جرب كازافيتس كل شيء محاولا اكتشاف مهاراته والتعلم من التجربة. قرر حينها، رغبة في أداء تمثيلي أكثر صدقا وتلقائية، أن يترك الكاميرا تتابع الممثلين أينما تحركوا في المشهد. اكتشف أن عليه التخلي عن أسلوب الإضاءة “المثالي” الذي يخطط جيدا ومسبقا خطوات الممثل بعلامات يتحرك على هداها، واكتفى عوضا عن ذلك بإضاءة عامة للمشهد تحرر الجميع، الممثل والمصور على السواء. ساهم ذلك بأداء أكثر تلقائية وبحركة كاميرا “واقعية” أقرب إلى الروح الوثائقية. الأمر الذي دفع أحد الأسماء النيئة، وأحد الذين سينتصرون لهوليود مستقبلا، الطالب الجامعي وقتئذ مارتن سكورسيزي إلى القول: “كان هناك شعور طاغ بالحرية في صناعة الأفلام في بدايات الستينيات. الموجة الفرنسية الجديدة، والسينما الإيطالية والبريطانية .. كنت حينئذ في الجامعة وعاصرت كل شيء! لكن الفيلم الذي ترك أثرا كبيرا وقويا في نفسي كان (ظلال) لكازافيتس .. صِدق الفيلم وواقعية شخصياته كانت صادمة!”

توطدت الصداقة بعد ذلك بين كازافيتس وسكورسيزي، وعمل الأخير في أفلام الأول في مهمات صغيرة وغير معتادة، ضمن فريق الصوت أحيانا، وطورا يتلقى الضربات ليستطيع كازافيتيس تسجيل صوت العراك لأحد أفلامه! ويوما ما أراد الفتى سكورسيزي أن يسمع نصيحة “المعلم” بعد أن انتهى في 1972 من النسخة الأولى لفيلمه Boxcar Bertha ..

حدق كازافيتس جيدا وقال: “مارتي، لقد أنفقت عاما كاملا من حياتك في صناعة هذا الخراء! الفيلم جيد، لكن لا تتورط في مثل هذه الأعمال مستقبلا .. اصنع شيئا شخصيا!”

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

1 × 5 =